السيد علي عاشور
35
موسوعة أهل البيت ( ع )
هو لطف له من المعرفة ، فينبغي أن يقبح تكليفه ، فما يقولونه هاهنا : من أن الكافر أتى من قبل نفسه ، لأن اللّه قد نصب له الدلالة على معرفته ومكّنه من الوصول إليها ، فإذا لم ينظر ولم يعرف أتى في ذلك من قبل نفسه ولم يقبح ذلك تكليفه ، فكذلك نقول : انبساط يد الإمام وإن فات المكلف فإنما أتى من قبل نفسه ولو مكّنه لظهر وانبسطت يده فحصل لطفه فلم يقبح تكليفه ، لأنّ الحجة عليه لا له . ثم قال : فإن قيل : لم زعمتم أنه يجب إيجاده في حال الغيبة ، وهلّا جاز أن يكون معدوما ؟ . قلنا : إنما أوجبنا ذلك من حيث إن تصرفه الذي هو لطفنا إذا لم يتم إلّا بعد وجوده وايجاده لم يكن في مقدورنا . قلنا عند ذلك : إنه يجب على اللّه ذلك ، وإلّا أدى إلى أن لا نكون مزاجي العلة بفعل اللطف ، فنكون أتينا من قبله تعالى لا من قبلنا ، وإذا أوجده ولم نمكّنه من انبساط يده أتينا من قبل نفوسنا ، فحسن التكليف وفي الأول لم يحسن . ثم تكلم طاب ثراه على اعتراضات القوم وأجاب عنها وأبطلها ثم قال : فإن قيل : فالحدود في حال الغيبة ما حكمها ؟ فإن سقطت على الجاني على ما يوجبها الشرع ، فهذا نسخ الشريعة وإن كانت باقية فمن يقيمها ؟ قلنا : الحدود المستحقة باقية في جنوب مستحقيها ، فإن ظهر الإمام ومستحقوها باقون أقامها عليهم بالبينة أو الإقرار ، وإن كان فات ذلك بموته كان الإثم في تفويتها على من أخاف الإمام وألجأه إلى الغيبة ، وليس هذا نسخا لإقامة الحدود ، لأن الحدّ إنما يجب إقامته مع التمكّن وزوال المانع ويسقط مع الحيلولة ، وإنما يكون ذلك نسخا لو سقط إقامتها مع الإمكان وزوال المانع ، ويقال لهم : ما يقولون في الحال التي لا يتمكن أهل الحل والعقد من اختيار الإمام ، ما حكم الحدود ؟ فإن قلتم : سقطت فهذا نسخ على ما ألزمتموناه ، وإن قلتم : هي باقية في جنوب مستحقيها فهو جوابنا بعينه « 1 » . * * * دلائل ابن طلحة الشافعي على الغيبة قال الشافعي : الباب الخامس والعشرون في الدلالة على كون المهدي حيّا باقيا مذ غيبته إلى الآن ، ولا امتناع في بقائه بدليل بقاء عيسى والخضر والياس من أولياء اللّه تعالى ، وبقاء الدجال
--> ( 1 ) كتاب الغيبة : 11 ، والبحار : 51 / 173 .